حكم الصيام وآدابه

Article · الخطب والدروس المكتوبة

ملخص الخطبة 

1- من حكم الصوم : (أنه تزكية للنفس – يضيق مجاري الشيطان – يفرّغ القلب من الشواغل - يقرّب من الله تعالى – يحقق التقوى – يدرّب على الإخلاص – يدرّب على الحكم – أنه مظهر لوحدة المسلمين – يحمل على الشكر – ويعود على الصبر – ويدعوا إلى الجود والكرم - أنه شهر القرآن – يضاعف فيه أجر العمرة – أن فيه فوائد صحية). 2- من آداب الصوم: (المحافظة على السحور وتأخيره – تعجيل الإفطار – الإكثار من الدعاء – أن يفطر على رطبات أو ثمرات أو ماء – المحافظة على الواجبات والإكثار من النوافل والحذر من المحرمات). 

 

الخطبة الأولى 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

أيها المسلمون: إن الله سبحانه هو الحكيم لا يشرع لعباده تشريعاً إلا وفيه حكمٌ بالغة تعود عليهم بالسعادة في الدنيا والآخرة، علمها من علمها وجهلها من جهلها. 

وقد شرع سبحانه لعباده صوم شهر رمضان لحكم عظيمة منها: 

1-     Ø§Ù„صوم تزكية للنفس وعلاج لها من البطر والأشر، وذلك أن النفس البشرية بطبيعتها يصيبها فخر وخيلاء وطغيان إذا كانت كلما اشتهت شيئاً حصلت عليه، والصوم يكسر النفس ويشعرها بضعفها وعجزها وحاجتها إلى خالقها ورازقها الذي يطعمها ويسقيها، وإذا مرضت فهو يشفيها وبذلك يجاهد المسلم نفسه وينهاها عن الهوى قال تعالى: ÙØ£Ù…ا من طغى  ÙˆØ¢Ø«Ø± الحياة الدنيا  ÙØ¥Ù† الجحيم هي المأوى  ÙˆØ£Ù…ا من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى  ÙØ¥Ù† الجنة هي المأوى [النازعات: 37-41].

فبالصيام يملك المسلم زمام نفسه ويقودها إلى ما فيه خيرها وسعادتها ويتعود على ألا يطلق لنفسه العنان فتقوده هي إلى ما فيه هلاكه.

2-     Ø§Ù„صوم يُضيّق مجاري الشيطان التي يجري بها داخل نفس الإنسان، فعن أنس وصفية رضي الله عنهما أن النبي Ù‚ال: «Ø¥Ù† الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم»[رواه البخاري ومسلم]. فيسكن الصيام وساوس الشيطان وتنكسر حدة الشهوة والغضب، فلا يجد الشيطان مدخلاً يدخل منه إلى قلب المؤمن، بالإضافة إلى تصفيد الشياطين بالسلاسل في رمضان، فإذا جرّب المسلم حلاوة الصلة بالرحمن والبعد عن تزيين الشيطان فإنه سيحرص بإذن الله بعد رمضان على أن يكون من عباد الله المخلصين الذين ليس للشيطان عليهم سلطان قال تعالى: Ù‚ال فبعزتك لأغوينهم أجمعين  Ø¥Ù„ا عبادك منهم المخلصين [ص:82-83].

3-     Ø§Ù„صوم تخلية للقلب من الشواغل الدنيوية وإعانة له على التذكر والتفكر، وكانت العرب تقول: (إذا امتلأت المعدة خمدت الفكرة) وعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال : «Ù…ا ملأ آدمي وعاءً شراً من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه»[رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وصححه الألباني صحيح الجامع 5674].

4-     Ø§Ù„صوم عبادة يتقرب فيها العبد إلى ربه بترك محبوباته من طعام وشراب ونكاح، فيظهر بذلك صدق إيمانه وكمال عبوديته لله وقوة محبته لله سبحانه، ورجاؤه ما عنده فإن العبد لا يترك محبوباً له إلا لما هو أعظم عنده منه.

ولما علم المؤمن أن رضى الله في الصيام بترك العبد شهواته المجبول على حبها قدم رضى مولاه على شهوات نفسه.

5-     Ø§Ù„صوم سبب للتقوى وهي فعل الأوامر وترك النواهي، فالعبد كما هو مأمور بالصوم عن الطعام والشراب فهو مأمور كذلك بالصوم عن جميع المعاصي في رمضان تهيئة لتركها كذلك بعد رمضان قال تعالى: ÙŠØ§ أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون [البقرة:183].

وكما بدأ سبحانه آيات الصيام بالتقوى ختمها بالتقوى فقال: ÙƒØ°Ù„Ùƒ يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون[البقرة:187]. وعن أبي هريرة  Ù‚ال : «Ù…Ù† لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»[رواه البخاري]. ولهذا فالصائم كلما همّ بمعصية تذكر أنه صائم فامتنع منها.

6-     Ø§Ù„صوم تدريب عظيم على الإخلاص لله تعالى لأن الصائم يكون في بيته وأمامه الطعام الشهي والشراب البارد وهو في شدة الجوع والظمأ، ولا أحد يطلع عليه إلا الله سبحانه، ومع ذلك فالصائم يترك الطعام والشراب، ويتحمل الجوع والعطش خوفاً من الله تعالى ومراقبة له وحده، فإذا تدبر المسلم هذا المعنى فإنه سيفعل ذلك في جميع المعاصي، إذا خلا بها تذكر أن الله تعالى يراه، وقال لنفسه: كما امتنعت من المعصية في رمضان خوفاً من الله وحده، فكذلك في غير رمضان سأجعل السر كالعلانية.

وإذا خلوت بظلمة فـي ريبـة         ÙˆØ§Ù„نفس داعية إلى العصيان

فاستحي من نظر الإله وقل لها             Ø¥Ù† الذي خلق الظلام يراني

7-     Ø§Ù„صوم تدريب على الحلم وكظم الغيظ وكف الأذى ففي حديث أبي هريرة  Ø¹Ù† النبي  Ù‚ال: «ÙˆØ§Ù„صوم جُنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل إني صائم»[رواه البخاري ومسلم].

8-     Ø§Ù„صوم مظهر لوحدة المسلمين واجتماع كلمتهم لأنه شعيرة ظاهرة من شعائر الإسلام فيرى الناس المسلمين وقد أمسكوا عن المفطرات في وقت واحد وأفطروا في وقت واحد.

9-     Ø±Ù…ضان شهر شكر لله سبحانه لأن الصائم يحس بقدر النعم التي حرم منها في وقت الصيام، والإنسان عادة لا يشعر بقيمة النعمة إلا إذا فقدها أو خالط من فقدها فيؤدي هذا إلى حمد الله تعالى وشكره.

10-   ÙˆÙ‡Ùˆ كذلك شهر الصبر لأنه صبر على طاعة الله وصبر عن معصيته وصبر على المصائب وهي ألم الجوع والعطش، وهذه أنواع الصبر الثلاثة تجتمع كلها في شهر رمضان.

11-   Ø±Ù…ضان شهر الجود والكرم لأن الصائم الغني يحس حينئذ بحاجة إخوانه الفقراء الذين يبيتون جائعين لا يجدون ما يطعمون ولا ما يطعمون به أطفالهم الذين يتضاغون من الجوع، وهؤلاء كثيرون في أنحاء العالم الإسلامي الذي تشهد كثير من بلاده حروباً طاحنة ومجاعات، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «ÙƒØ§Ù† رسول الله Ø£Ø¬ÙˆØ¯ الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن وذلك كل ليلة، فلَرسول الله Ø£Ø¬ÙˆØ¯ بالخير من الريح المرسلة»[رواه البخاري].

ومن مظاهر الجود التي دعينا إليها في رمضان تفطير الصائمين، ففي حديث زيد بن خالد  Ø£Ù† النبي Ù‚ال: «Ù…Ù† فطّر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً»[أحمد والترمذي وصححه الألباني، صحيح الجامع 6415].

وأجر الصائم عظيم قال تعالى في الحديث القدسي: «ÙƒÙ„ عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»[رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعاً].

فإذا علمت أنك تحوز أجر الصائم بالإضافة إلى أجرك حرصت على المشاركة في هذا الباب العظيم من أبواب الأجر.

12-   Ø±Ù…ضان شهر القرآن وهو فرصة عظيمة يقبل فيها المسلمون على كتاب ربهم الذي هجروه طيلة العام فيتلونه ويتدبرونه.

13-   ÙˆÙÙŠ Ø±Ù…Ø¶Ø§Ù† يتضاعف أجر العمرة فقد قال : «Ø¹Ù…رة في رمضان تعدل حجة معي»[رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس وغيره].

14-   ÙˆÙÙŠ Ø§Ù„ØµÙŠØ§Ù… فوائد صحية وإراحة لجهاز الهضم وتخليص للجسم من رطوبات وفضلات ضارة.

فإذا تأمل المسلم هذه الحكم العظيمة علم أن شريعة الإسلام هي الشريعة الكاملة التي فيها سعادة الدنيا والآخرة، نسأل الله تعالى أن يبلغنا رمضان وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام وصالح الأعمال، اللهم آمين.

 

 

الخطبة الثانية

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

أيها المسلمون ، إن للصيام آداباً على المسلم مراعاتها منها:

1-    Ø§Ù„محافظة على السحور وتأخيره فعن أنس  Ø£Ù† النبي  Ù‚ال: «ØªØ³Ø­Ø±ÙˆØ§ فإن في السحور بركة»[رواه البخاري ومسلم].

ومن بركة السحور أنه يقوي على الصيام ويعين عليه، وأنه فرصة للاستيقاظ في وقت السحر للاستغفار أو صلاة ما تيسر قال تعالى: ÙˆØ§Ù„مستغفرين بالأسحار [آل عمران:17].

والسحور كذلك مخالفة لهدي المشركين واقتداء بهدي الأنبياء، عن أبي الدرداء  Ù‚ال : «Ø«Ù„اث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع اليمين على الشمال في الصلاة»[الطبراني وصححه الألباني صحيح الجامع 3038].

2-    ØªØ¹Ø¬ÙŠÙ„ الإفطار للحديث السابق ولما رواه أحمد عن أبي ذر  Ù‚ال : «Ù„ا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار»[صحيح الجامع 7284].

3-    Ø§Ù„إكثار من الدعاء أثناء الصيام فإن دعوة الصائم مستجابة عن أبي هريرة  Ù‚ال : «Ø«Ù„اث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر»[رواه البيهقي وغيره وصححه الألباني، صحيح الجامع 3030].

4-    Ø£Ù† يفطر على رطبات فإن لم تكن فتمرات فإن لم تكن حسا حسوات من ماء فإن النبي  ÙƒØ§Ù† يفعل ذلك. [رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن أنس وحسنه الألباني إرواء 922]. فإن لم يجد أفطر على ما تيسر من الطعام أو الشراب الحلال فإن لم يجد نوى الإفطار بقلبه، وأن يقول عند الفطر: «Ø°Ù‡Ø¨ الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله»[رواه أبو داود والنسائي حسنه الألباني في الإرواء 920].

5-    Ø£Ù† يحافظ الصائم على جميع الواجبات وأن يكثر من النوافل وأن يجتنب جميع المحرمات وأن يحذر الغيبة والنميمة وأن يشغل وقته بالخير.

نسأل الله تعالى أن يعيننا على طاعته وأن يباعد بيننا وبين معصيته.

 

يتم التشغيل الآن
0:00 / 0:00