شرح الرسالة التبوكية - زاد المهاجر إلى ربه - فضيلة الشيخ وليد بن إدريس المنيسي
من بداية الكتاب إلى قوله تعالى "ولا تعاونوا على الإثم والعدوان"
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وعليه نتوكل
قال الشيخ الامام العالم العلامة محمد بن ابي بكر المعروف بابن قيم الجوزية رضي الله عنه وارضاه في كتابه الدي سيره من تبوك ثامن المحرم سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة بعد كلام له سبق : احمد الله بمحامده التي هو لها اهل والصلاة والسلام على خاتم رسله وانبيائه : محمد صلى الله عليه و سلم وبعد : فان الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه وتعاونوا على البر والتقوى ولاتعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله ان الله شديد العقاب
وقد اشتملت هده الاية على جميع مصالح العباد في معاشهم ومعادهم فيما بينهم بعضهم بعضا وفيما بينهم وبين ربهم فان كل عبد لاينفك عن هاتين الحالتين وهذين الواجبين : واجب بينه وبين الله وواجب بينه وبين الخلق
(1/6)
فاما ما بينه وبين الخلق : من المعاشرة والمعاونه والصحبة فالواجب عليه فيها ان يكون اجتماعه بهم وصحبته لهم تعاونا على مرضاة الله وطاعته التي هي غاية سعادة العبد وفلاحه ولاسعادة له الا بها وهي البر والتقوى اللذان هما جماع الدين كله واذا افرد كل واحد من الاسمين دخل في مسمى الاخر اما تضمنا واما لزوما ودخوله فيه تضمنا اظهر لان البر جزء مسمى التقوى وكدلك التقوى فانه جزء مسمى البر وكون احدهما لايدخل في الاخر عند الاقتران لايدل على انه لايدخل فيه عند انفراد الاخر
و نظير هذا لفظ الايمان والاسلام و الايمان والعمل الصالح و الفقير والمسكين و الفسوق والعصيان و المنكر والفاحشة ونظائره كثيرة
وهذه قاعدة جليلة من احاط بها زالت عنه اشكالات كثيرة اشكلت على كثير من الناس البر والتقوى
ولنذكر من هذا مثالا واحدا يستدل به على غيره وهو البر والتقوى فان حقيقة البر هو الكمال المطلوب من الشئ والمنافع التي فيه والخير كما يدل عليه اشتقاق هذه اللفظة وتصاريفها في الكلام ومنه البر بالضم لمنافعة وخيره بالاضافة الى سائر الحبوب
(1/7)
ومنه رجل بار وبر وكرام برره والابرار
فالبر : كلمة جامعة لجميع انواع الخير والكمال والمطلوب من العبد وفي مقابلته الاثم وفي حديث النواس بن سمعان ان النبي صلى الله عليه و سلم قال له جئت تسال عن البر والاثم فالاثم كلمة جامعة للشرور والعيوب التي يذم العبد عليها
فيدخل في مسمى البر : الايمان واجزاؤه الظاهرة والباطنة ولا ريب ان التقوى جزء هذا المعنى واكثر ما يعبر عن بر القلب وهو وجود طعم الايمان فيه وحلاوته وما يلزم ذلك من طمانينتة وسلامته وانشراحه
(1/8)
وقوته وفرحه بالايمان فإن للايمان فرحة وحلاوة ولذة في القلب فمن لم يجدها فهو فاقد الايمان او ناقصه وهو من القسم الذين قال الله عز و جل فيهم قالت الاعراب امنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم
فهؤلاء على اصح القولين مسلمون غير منافقين وليسوا بمؤمنين اذا لم يدخل الايمان في قلوبهم فيباشرها حقيقة
وقد جمع الله خصال البر في قوله تعالى ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البرمن امن بالله واليوم الاخر والملائكة والكتاب والنبيين واتى المال على حبه ذوي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب واقام الصلاة واتى الزكاة والموفون بعهدهم اذا عاهدوا والصابرين في الباساء والضراء وحين البأس اولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون
فاخبر سبحانه ان البر هو الايمان بالله وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر وهذه هي اصول الايمان الخمس التي لاقوام للايمان الا بها
وانها الشرائع الظاهرة من اقامة الصلاة وايتاء الزكاة والنفقات الواجبة
(1/9)
وانها الاعمال القلبية التي هي حقائقه من الصبر والوفاء بالعهد فتناولت هده الخصال جميع اقسام الدين حقائقه وشرائعه والاعمال المتعلقة بالجوارح والقلب واصول الايمان الخمس ثم اخبر سبحانه عن هذا انها هي خصال التقوى بعينها فقال اولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون التقوى
واما التقوى فحقيقتها العمل بطاعة الله ايمانا واحتسابا امرا ونهيا فيفعل ما امر الله به ايمانا بالامر وتصديقا بوعده ويترك ما نهى الله عنه ايمانا بالنهى وخوفا من وعيده
كما قال طلق بن حبيب اذا وقعت الفتنة فاطفئوها بالتقوى قالوا : وما التقوى قال : ان تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجوا ثواب الله وان تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله
وهذا احسن ما قيل في حد التقوى
فان كل عمل لابد له من مبدا وغاية فلا يكون العمل طاعة وقربة حتى يكون مصدره عن الايمان فيكون الباعث عليه هو الايمان المحض لا العادة ولا الهوى ولا طلب المحمدة والجاه وغير ذلك بل لابد ان يكون مبدؤه محض الايمان وغايته ثواب الله وابتغاء مرضاته وهو الاحتساب
(1/10)
ولهذا كثيرا ما يقرن بين هذين الاصلين في مثل قول النبي صلى الله عليه و سلم : من صام رمضان ايمانا واحتسابا و ومن قام ليلة القدر ايمانا واحتسابا ونظائره
فقوله على نور من الله اشارة الى الاصل الاول وهو الايمان الدي هو مصدر العمل والسبب الباعث عليه
وقوله ترجو ثواب الله اشارة ان الاصل الثاني وهو الاحتساب وهو الغاية التي لاجلها يوقع العمل ولها يقصد به
ولا ريب ان هذا اسم لجميع اصول الايمان وفروعه وان البر داخل في هذا المسمى
واما عند اقتران احدهما بالاخر كقوله تعالى : وتعاونوا على البر والتقوى فالفرق بينهما فرق بين السبب المقصود لغيره والغاية المقصودة لنفسها فان البر مطلوب لذاته اذ هو كمال العبد وصلاحه الذي لا صلاح له بدونه كما تقدم
واما التقوى فهي الطريق الموصل الى البر والوسيلة اليه ولفظها يدل على هذا فانها فعلى ومن وقى يقي وكان اصلها وقوى فقلبوا الواو تاء كما قالوا تراث من الوراثة وتجاه من الوجه وتخمة من الوخمة ونظائرها فلفظها دال على انها من الوقاية فان المتقي قد جعل بينه وبين النار وقاية والوقاية من باب دفع الضر فالتقوى والبر كالعافية والصحة
(1/11)
العلم النافع
وهذا باب شريف ينتفع به انتفاعا عظيما في فهم ألفاظ القران ودلالته ومعرفة حدود ما انزل الله على رسوله فانه هو العلم النافع وقد ذم الله تعالى في كتابه من ليس له علم بحدود ما انزل الله على رسوله
فإن عدم العلم بذلك مستلزم مفسدتين عظيمتين
احداهما ان يدخل في مسمى اللفظ ماليس منه فيحكم له بحكم المراد من اللفظ فيساوي بين ما فرق الله بينهما
والثانية ان يخرج من مسمى اللفظ بعض افراده الداخلة تحته فيسلب عنه حكمه فيفرق بين ما جمع الله بينهما
والذكي الفطن يتفطن لافرادء هذه القاعدة وامثالها فيرى ان كثيرا من الاختلاف او اكثره انما ينشا من هذا الوضع وتفصيل هذا لايفي به كتاب ضخم
ومن هذا لفظ : الخمر فانه اسم شامل لكل مسكر فلا يجوز اخراج بعض المسكرات منه وينفى عنها حكمه
وكذلك لفظ : الميسر واخراج بعض انواع القمار منه
وكذلك لفظ : النكاح وادخال ماليس بنكاح في مسماه
(1/12)
وكذلك لفظ : الربا واخراج بعض انواعه منه وادخال ماليس بربا فيه
وكذلك لفظ : الظلم والعدل والمعروف والمنكر ونظائره اكثر من ان تحصى
والمقصود من اجتماع الناس وتعاشرهم : هو التعاون على البر والتقوى فيعين كل واحد صاحبه على ذلك علما وعملا
فان العبد وحده لايستقل بعلم ذلك ولابالقدرة عليه فاقتضت حكمة الرب سبحانه ان جعل النوع الانساني قائما بعضه ببعضه معينا بعضه لبعضه
ثم قال تعالى ولاتتعاونوا على الاثم والعدوان
الملخص الفقهي
الجزء الأول قسم العبادات
تلخيص
صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان
غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم النبيين , وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
وبعد : فهذا ملخص في الفقه , مقرون بأدلته من الكتاب والسنة , كنت ألقيته في الإذاعة على حلقات , وقد تكرر الطلب ممن سمعوه , وألحوا علي بطباعته ; ليبقى الانتفاع به إن شاء الله , وما كنت أنوي ذلك حال إعداده , ولكن نزولا عند رغبة الكثير ; أعدت النظر فيه , ورتبته , وقدمته للطباعة . وها هو بين يديك أيها القارئ الكريم ; فما وجدت فيه من صواب وفائدة ; فالفضل فيه راجع إلى الله وحده , وما وجدت فيه من خطأ ; فهو مني , واستغفر الله . وقد لخصته من كتاب " شرح الزاد - الروض المربع " , ومن حاشيته للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم , مع بعض التنبيهات مني إذا مرت مناسبة .
هذا ; وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعا للعلم النافع والعمل الصالح . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .
فضل التفقه في الدين
الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .
وبعد : فإن التفقه في الدين من أفضل الأعمال , وهو علامة الخير : قال صلى الله عليه وسلم :“ من يرد الله به خيرا ; يفقه في الدين“ وذلك لأن التفقه في الدين يحصل به العلم النافع الذي يقوم عليه العمل الصالح .
قال الله تعالى :“ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ“ فالهدى هو العلم النافع , ودين الحق هو العمل الصالح .
وقد أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله الزيادة من العلم : قال تعالى :“ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا“ قال الحافظ ابن حجر : " وهذا واضح الدلالة في فضل العلم ; لأن الله لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب الازدياد من شيء ; إلا من العلم , وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم المجالس التي يتعلم فيها العلم النافع ب ( رياض الجنة ) , وأخبر أن العلماء هم ورثة الأنبياء .
ولا شك أن الإنسان قبل أن يقدم على أداء عمل ما , لا بد أن يعرف الطريقة التي يؤدي بها ذلك العمل على وجهه الصحيح , حتى يكون هذا العمل صحيحا , مؤديا لنتيجته التي ترجى من ورائه ; فكيف يقدم الإنسان على عبادة ربه التي تتوقف عليها نجاته من النار ودخوله الجنة : كيف يقدم على ذلك بدون علم ؟ ! ومن ثم افترق الناس بالنسبة للعلم والعمل ثلاث فرق :
الفريق الأول : الذين جمعوا بين العلم النافع والعمل الصالح , وهؤلاء قد هداهم الله صراط المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين , وحسن أولئك رفيقا .
الفريق الثاني : الذين تعلموا العلم النافع ولم يعملوا به , وهؤلاء هم المغضوب عليهم من اليهود ومن نحا نحوهم .
الفريق الثالث : الذين يعملون بلا علم , وهؤلاء هم أهل الضلال من النصارى ومن نحا نحوهم .
ويشمل هذه الفرق الثلاث قوله تعالى في سورة الفاتحة التي نقرؤها في كل ركعة من صلواتنا :“ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ“ قال الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : وأما قوله تعالى :“ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ“ فالمغضوب عليهم هم العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم , والضالون العاملون بلا علم :
فالأول: صفة اليهود
والثاني: صفة النصارى
وكثير من الناس إذا رأى في التفسير أن اليهود مغضوب عليهم وأن النصارى ضالون ; ظن الجاهل أن ذلك مخصوص بهم , وهو يقرأ أن ربه فارض عليه أن يدعو بهذا الدعاء , ويتعوذ من طريق أهل هذه الصفات ! ! فيا سبحان الله ! كيف يعلمه الله ويختار له ويفرض عليه أن يدعو ربه دائما ; مع أنه لا حذر عليه منه , ولا يتصور أن فعله هذا هو ظن السوء بالله ؟ ! انتهى كلام الشيخ رحمه الله .
وهو يبين لنا الحكمة في فريضة قراءة هذه السورة العظيمة - سورة الفاتحة - في كل ركعة من صلاتنا ; فرضها , ونفلها ; لما تشتمل عليه من الأسرار العظيمة , التي من جملتها هذا الدعاء العظيم : أن يوفقنا الله لسلوك طريق أصحاب العلم النافع والعمل الصالح , الذي هو طريق النجاة في الدنيا والآخرة , وأن يجنبنا طريق الهالكين , الذين فرطوا بالعمل الصالح أو بالعلم النافع .
ثم اعلم أيها القارئ الكريم أن العلم النافع إنما يستمد من الكتاب والسنة تفهما وتدبرا , مع الاستعانة على ذلك بالمدرسين الناصحين وكتب التفسير وشروح الحديث وكتب الفقه وكتب النحو واللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم , فإن هذه الكتب طريق لفهم الكتاب والسنة .
فواجب عليك يا أخي المسلم - ليكون عملك صحيحا - أن تتعلم ما يستقيم به دينك ; من صلاتك وصومك وحجك , وتتعلم أحكام زكاة مالك , وكذلك تتعلم من أحكام المعاملات ما تحتاج إليه ; لتأخذ منها ما أباح الله لك ; وتتجنب منها ما حرم الله عليك ; ليكون كسبك حلالا , وطعامك حلالا ; لتكون مجاب الدعوة , كل ذلك مما تمس حاجتك إلى تعلمه , وهو ميسور بإذن الله متى ما صحت عزيمتك وصلحت نيتك .
فاحرص على قراءة الكتب النافعة , واتصل بالعلماء ; لتسألهم عما أشكل عليك , وتتلقى عنهم أحكام دينك , وكذلك تعني بحضور الندوات والمحاضرات الدينية التي تقام في المساجد وغيرها , وتستمع إلى البرامج الدينية من الإذاعة , وتقرأ المجلات الدينية والنشرات التي تعني بمسائل الدين , فإذا حرصت وتتبعت هذه الروافد الخيرية ; نمت معلوماتك , واستنارت بصيرتك .
ولا تنس يا أخي أن العلم ينمو ويزكو مع العمل فإذا عملت بما علمت ; زادك الله علما ; كما تقول الحكمة المأثورة : " من عمل بما علم ; أورثه الله علم ما لم يعلم " , ويشهد لذلك قوله تعـالى:“ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ“ والعلم أحق ما تصرف فيه الأوقات , ويتنافس في نيله ذوو العقول , فبه تحيا القلوب وتزكو الأعمال .
ولقد أثنى الله جل ذكره وتقدست أسماؤه على العلماء العاملين , ورفع من شأنهم في كتابه المبين قال تعالى :“ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ“ وقال تعالى:“ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ“ فبين سبحانه وتعالى ميزة الذين أوتوا العلم المقرون بالإيمان , ثم أخبر أنه خبير بما نعمله , ومطلع عليه ; ليدلنا على أنه لا بد من العلم والعمل معا , وأن يكون كل ذلك صادرا عن الإيمان ومراقبة الله سبحانه .
ونحن عملا بواجب التعاون على البر والتقوى سنقدم لك بحول الله من خلال هذا الكتاب بعض المعلومات من الرصيد الفقهي الذي استنبطه لنا علماؤنا ودونوه في كتبهم , سنقدم لك ما تيسر من ذلك , لعله يكون دافعا لك على الاستفادة والاستزادة من العلم النافع .
ونسأل الله أن يمدنا وإياك بالعلم النافع , ويوفقنا للعمل الصالح , ونسأله سبحانه أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه , ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه , إنه سميع مجيب .
كتاب الطهارة
باب في أحكام الطهارة والمياه
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين , وهي الفـارقة بين المسلم والكافر , وهي عمود الإسلام , وأول ما يحاسب عنه العبد , فإن صحت وقبلت ; قبل سائر عمله . وإن ردت ; رد سائر عمله .
وقد ذكرت الصلاة في مواطن كثيرة من القرآن الكريم على صفات متنوعة ; فتارة يأمر الله بإقامتها , وتارة يبين مزيتها , وتارة يبين ثوابها , وتارة يقرنها مع الصبر ويأمر بالاستعانة بهما على الشدائد . ومن ثم كانت قرة عين الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الدنيا ; فهي حليـة النبيين , وشعار الصالحين , وهي صلة بين العبد وبين رب العالمين , وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر .
ولما كـانت هذه الصلاة لا تصح إلا بطهارة المصلي من الحدث والنجس حسب القدرة على ذلك , وكانت مادة التطهر هي الماء أو ما يقوم مقامه من التيمم عند عدم الماء ; صار الفقهاء رحمهم الله يبدءون بكتاب الطهارة ; لأنها لما قدمت الصلاة بعد الشهادتين على غيرها من بقية أركان الإسلام ; ناسب تقديم مقدماتها , ومنها الطهارة , فهي مفتاح الصلاة ; كما في الحديث :“ مفتاح الصلاة الطهور“ وذلك لأن الحدث يمنع الصلاة ; فهو كالقفل يوضع على المحدث , فإذا توضأ ; انحل القفل . فالطهارة أوكد شروط الصلاة , والشرط لا بد أن يقدم على المشروط .
ومعنى الطهارة لغة : النظافة والنزاهة عن الأقذار الحسية والمعنوية , ومعناها شرعا : ارتفاع الحدث وزوال النجس . وارتفاع الحدث يحصل باستعمال الماء مع النية : في جميع البدن إن كان حدثا أكبر , أو في الأعضاء الأربعة إن كان حدثا أصغر , أو استعمال ما ينوب عن الماء عند عدمه أو العجز عن استعماله - وهو التراب - على صفة مخصوصة , وسيأتي إن شاء الله بيان لصفة التطهر من الحدثين .
وغرضنا الآن بيان صفة الماء الذي يحصل به التطهر والماء الذي لا يحصل به ذلك . قال الله تعالى :“ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا“ وقال تعالى :“ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ“ والطهور هو الطاهر في ذاته المطهر لغيره , وهو الباقي على خلقته - أي : صفته التي خلق عليها - , سواء كان نازلا من السماء كالمطر وذوب الثلوج والبرد , أو جاريا في الأرض كماء الأنهار والعيون والآبار والبحار , أو كان مقطرا . فهذا هو الذي يصح التطهر به من الحدث والنجاسة , فإن تغير بنجاسة ; لم يجز التطهر به ; من غير خلاف , وإن تغير بشيء طاهر لم يغلب عليه ; فالصحيح من قولي العلماء صحة التطهر به أيضا .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " أما مسألة تغير الماء اليسير أو الكثير بالطاهرات ; كالأشنان , والصابون , والسدر , والخطمي , والتراب , والعجين . .. وغير ذلك مما قد يغير الماء , مثل الإناء إذا كان فيه أثر سدر أو خطمي , ووضع فيه ماء , فتغير به , مع بقاء اسم الماء ; فهذا فيه قولان معروفان للعلماء " .
ثم ذكرها مع بيان وجه كل قول , ورجح القول بصحة التطهر به , وقال : " هو الصواب ; لأن الله سبحانه وتعالى قال :“ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ“ وقوله :“ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً“ نكرة في سياق النفي , فيعم كل ما هو ماء , لا فرق في ذلك بين نوع ونوع " انتهى .
فإذا عدم الماء , أو عجز عن استعماله مع وجوده ; فإن الله قد جعل بدله التراب , على صفة لاستعماله بينها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته , وسيأتي توضيح ذلك إن شاء الله في بابه . وهذا من لطف الله بعباده , ورفع الحرج عنهم , قال تعالى :“ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا“
قـال ابن هبيرة : " وأجمعوا على أن الطهارة بالماء تجب على كل من لزمته الصلاة مع وجوده , فإن عدمه ; فبدله , لقوله تعالى :“ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا“ ولقوله تعالى :“ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ“ انتهى .
وهذا مما يدل على عظمة هذا الإسلام , الذي هو دين الطهارة والنزاهة الحسية والمعنوية , كما يدل ذلك على عظمة هذه الصلاة , حيث لم يصح الدخول فيها بدون الطهارتين : الطهارة المعنوية من الشرك , وذلك بالتوحيد وإخلاص العبادة لله , والطهارة الحسية من الحدث والنجاسة , وذلك يكون بالماء أو ما يقوم مقامه .
واعلم أن الماء إذا كان باقيا على خلقته , لم تخالطه مادة أخرى ; فهو طهور بالإجماع , وإن تغير أحد أوصافه الثلاثة - ريحه أو طعمه أو لونه - بنجاسة ; فهو نجس بالإجماع , لا يجوز استعماله , وإن تغير أحد أوصافه بمخالطة مادة طاهرة - كأوراق الأشجار أو الصابون أو الإشنان والسدر أو غير ذلك من المواد الطاهرة - , ولم يغلب ذلك المخالط عليه ; فلبعض العلماء في ذلك تفاصيل وخلاف , والصحيح أنه طهور , يجوز التطهر به من الحدث , والتطهر به من النجس .
فعلى هذا ; يصح لنا أن نقول : إن الماء ينقسم إلى قسمين
القسم الأول : طهور يصح التطهر به , سواء كان باقيا على خلقته , أو خالطته مادة طاهرة لم تغلب عليه ولم تسلبه اسمه .
القسم الثاني : نجسه لا يجوز استعماله ; فلا يرفع الحدث , ولا يزيل النجاسة , وهو مما تغير بالنجاسة . ...
والله تعالى أعلم .